16 الملتقى العالمي للتصوف

16 الملتقى العالمي للتصوف

: التصوف والقيم الإنسانية

من المحلية إلى الكونية

ما بين 11 إلى 15 ربيع الأول 1443هـ

الموافق ل 18 إلى 22 اكتوبر 2021م

يعيش العالم المعاصر اليوم في سياق متسارع من التحولات الكبرى، خلقت صراعات ومخاوف ومخاطر، وأفرزت أزمات متعددة أخلاقية وبيئية وصحية، أصبحت تهدد بشكل مباشر أمن الإنسان، وتَخْلُقُ لديه قلقا وجوديا مستمرا، واضطرابا نفسيا، وتعبا لا مُنْتَهِيا، فَقَدَ بسببه سعادته وكَثُرَتْ به عُدْوانِيَتُهُ، بل أصبح مُهدّدا أكثر في كيانه المعنوي القائم على حقيقة الكرامة والحرية والعدل والمساواة. ولعل أكبر آفة على الإطلاق أضحى يواجهها الإنسان المعاصر هي، بدون شك، الانهيارُ الخُلُقِيُّ، الناجم عن إهمال تزكية النفوس، والفتور في طلب مقامات التربية الأخلاقية السَّنية وتنمية الذات وتطوير قدراتها ومهاراتها.

في محاولاتها لإصلاح هذا السياق المُقلق وتهديداته، أعلنت القوى المادية إفلاسها وقصورها الأكيد في تحقيق سعادة الناس، وأفلست معها كل المذاهب والفلسفات الغربية، فكرا وتطبيقا وعلاجا وحلا، في زمن تطبعه العولمة والاجتياح المادي الكاسح. ولهذا أصبح لزاما طرح السؤال المُلحّ التالي: أمام هذه التحديات وسلبياتها، أين يمكن أن يجد الإنسان الموقع الآمن والملاذ الحصين حتى يضمن نجاته وسلامته من هذه المخاطر والأزمات؟ ويمكن تخصيص هذا السؤال أكثر في الصيغة التالية: هل نحن، في حقيقة الأمر، بحاجة ماسّة إلى البعد الروحي للإسلام لمواجهة تحديات العصر الشائكة؟

نُجيب عن هذا السؤال من زوايا مختلفة من النظر والمقاربة. نبدأ أولا بما أجاب به المفكرون الغربيون أنفسهم وقرّروه. يقول أندريه مالرو André Malraux، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، ومؤلف كتاب «إغواء الغرب»: « إنّ القرن الحادي والعشرين إما أن يكون روحيا أو لا يكون »، وقد أتى تصريحه هذا في سياق رده على مَن زعموا  » أنّ شمس الأديان قد غَرَبَتْ، بعد أن قالوا قبل ذلك إنّها أفيون الشعوب ». ويقول ألبرت أشفيتسر في كتابه «فلسفة الحضارة»: « إن الحضارة هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء ».

ثانيا، حين نتحدث عن كلمة البشرية لا يمكننا أن نُعطيها معنى مكتملا دون الأخذ بالجوهر الحضاري للإنسانية وهو قيمها الأخلاقية والدينية الداعية إلى المساواة والحب والتراحم والتعاون بين البشر. فلا تَحَضّر من دون قيم، ولا إنسانية من دون مراعاة حقوق الآخر والعمل على إسعاده معنوياً ومادياً.

وثالثا، إن حتمية التواصل مع الآخر من أجل مستقبل مشترك تفرض عمليا الرجوع إلى القيم الروحية والأخلاقية للإسلام كحل واقعي لحاضرنا العليل ونُشدانٍ لغد مشرق سليم، لأن روح الإسلام، وجوهره غايته تحقيق توازن بين المادة والروح، وبين الدنيا والآخرة.

إن الإسلام دين عالميٌّ يتجه برسالته وتعاليمه ومبادئه إلى البشرية كلها، تلك الرسالة الجليلة والتعاليم السمحة التي تأمر بالعدل والسماحة، وتنهى عن الظلم والعنف، وتُرسي دعائم السلام في الأرض، وتدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جوٍّ من الإخاء الإنسانيّ والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم وأوطانهم. فكونية رسالة الإسلام عبارة عن بناء حضاري قائم على التعارف والتواصل والتعاون، ومُحمّل بمقومات العطاء والإسهام الحضاري تحقيقا للحياة الطيبة الآمنة. وتتجلى عالمية الإسلام فيما يلي:

– إرسال رسول خاتم إلى الناس جميعا، وهو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي خاطبه ربه تعالى بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف آية: (158)]. والاحتفال بذكرى مولده الشريف حقيقتها الاحتفاء بأخلاقه السامية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم آية: (4)]، وبقيم الرحمة الشاملة التي أُرسل من أجلها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء آية: (107)]. وقد أكد عليه الصلاة والسلام هذه القيم في أحاديث منها قولهِ: « مَثَلي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلي كمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى بُنْيانًا فأحسَنَه وأكمَلَه، إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زواياه، فجعَلَ النَّاسُ يَطوفون به ويَعْجَبون منه، ويَقولون: ما رأَيْنا بُنيانًا أَحسَنَ مِن هذا، إلَّا مَوضِعَ هذه اللَّبِنَةِ، فكُنتُ أنا تِلْك اللَّبِنَةَ. (رواه مسلم وأحمد (.

– الإقرار بوحدة الأصل الإنساني: فالناس جميعا خُلقوا من نفس واحدة، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. فهناك قرابة إنسانية ثابتة.

– اعتبار تعددية الأمم (شعوبا وقبائل) واختلافها سُنة إلهية في الخلْق، لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود آية: (118)]. فالأصل هو التنوع في الألسنة والألوان والأجناس، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم آية: (22)]. فالإسلام الحنيف يعترف بوجود الآخر المخالف فرداً كان أو جماعة، ويُقرّ بخصوصيّته ويحترم وجهة نظره الذاتية في الاعتقاد والتصور والممارسة حتى وإن خالفت ما يدعو إليه شكلاً ومضموناً. يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ [المائدة آية: (48)]. فلا صراع للأديان في الإسلام، والتسامح والتعايش بين فئات البشر، وفق المنظور الإسلامي، فضيلة أخلاقية، وضرورة بشرية، وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها إدارة صحيحة هادفة.

– سنّ منهج الوسطية والاعتدال لتحقيق التوازن العادل بين أمور الدين وأمور الدنيا دون غلوّ أو تقصير، ودون إفراط أو تفريط. فهذا المنهج كفيل بمراعاة المقاصد والمصالح، وجمع المتفرّق وتوحيد المتعدّد وجلب المصالح ودرء التصادم والمفاسد، وتحقيق شهادة الأمة المحمدية على الناس مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة آية: (143)]. فلا تطرّف ولا إرهاب في الإسلام، وحتى إلصاق ذلك به لا يستقيم لا عقلا ولا نقلا.

– المفاضلة في الإسلام تُحدّد على أساس قيم العمل الصالح والتسابق إلى الخيرات والتقوى، لا على أساس العرق أو اللون، ولا على أساس النزعة الاستهلاكية.

إننا إذن أمام منظومة قيمية متكاملة نابعة من أصول فقه الفطرة الإنسانية، مستمد من القرآن والسنة واجتهادات رجالات التربية والأخلاق، وتشمل مختلف مناحي الحياة ومجالاتها، وتسهم بقوة في تأهيل إصلاحي هادف، وتيسير سبل الحوار الإنساني وبناء مجتمع حضاري مبني على القيم والأخلاق وتقارب المجتمعات.

إن التصوف، باعتباره مقام الإحسان في الدين الإسلامي، يمتاز بنزعة إنسانية عالمية منفتحة على سائر الأديان والأجناس، إذ لا فرق عند الصوفي بين مسلم ومسلم، أو بين مسلم وغير مسلم، وإن كانا يختلفان جنسا ولغة أو مكانا أو زمانا. وهو بفضل أصالة منهجه يملك عناصر القوة للتغيير والإسهام بفعالية في تقريب وجهات النظر، واحتواء الأزمات، واقتراح بدائل للصراعات تقوم على الألفة والحوار وحسن الجوار والتعاون والتعارف وغيرها من المعاني التي شكَّلت على مر التاريخ مصدر قوة المجتمعات وعليها قامت أسس الأمم والحضارات.

إن الحاجة الحضارية للتصوف اليوم، تجعل منه اجتهادا مقاصديا أخلاقيا يمكن بلورة منظوراته، وتنزيل مبادئه في مشاريع تربوية وتأهيلية وعلمية وإعلامية تمدّ المجتمعات بالقيم المعنوية المطلوبة لبناء الإنسان، وتخفف من وطأة الضغط المادي عليه، لكي يستطيع أن يحيى لنفسه وللآخرين. فإذا ما قورب التصوف بصدق، وأحسن تدبير مخزونه القيمي، سيكون قادرا على صناعة إنسان كوني أو مواطن عالمي من غير استيلاب، إنسان يؤمن بالخصوصيات من غير انغلاق.

وبناء عليه، إن الأمن الروحي الذي تنشده جل الأمم، لا يتأتى إلا في ظل مقاربة صوفية للأخلاق، يكون السلوك الظاهري فيها موافقا للباطن، والعمل يصدر تلقائيا عن القلب، سواء كان التزاما فرديا أم التزاما مع الجماعة، لأن الأخلاق في المنظور الصوفي تمتاز بكونها مشدودة إلى معاني روحية ربانية، وموصولة بمصدر علوي يؤمنها من الانعطاف والانحراف، ويحفظها من الغطرسة والأنانية والاغتراب والجشع.

إن هذا الغنى الروحي الذي تهبه دائرة التصوف هو ما يبدد ويحطم قلاع الاغتراب التي تطبق على الإنسان؛ وذلك من خلال تأكيد إنسانية الإنسان عامة وتحريره من كل قيود وتناقضات الواقع والحياة، من هنا كان هذا الحرص الأكيد من الصوفي على إيلاء الإنسان في منظومته الفكرية مكانته التي يستحقها والمستنبطة أصلا من التصور القرآني للحقيقة الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء آية: (70)]، والتي أكدتها الفلسفات الحديثة، وكما يقول الفيلسوف التشيكي جون كومينيوس: « نحن أبناء عالم واحد، يجري في عروقنا دم واحد، وإنه لمن أشد الحماقة أن نضمر الكراهية لإنسان لأنه ولد في قطر آخر، أو لأنه يتحدث بلغة مختلفة، أو لأن له رأياً مخالفاً لنا، فإننا بشر متساوون في الإنسانية، فليكن لنا جميعاً هدف واحد، هو خير الإنسانية جمعاء ».

والمغرب، بما يحمله من تجليات عميقة لهذا المكون الروحي الأصيل الذي طبع شخصيته الدينية والتدينية، مازال إلى اليوم مثالا يحتذى به في نشر قيم السلام والتعايش والانخراط الفاعل في حل عدد من الأزمات السياسية والدولية بمنطق الحكمة والأخوة والتعاون والصلح تحت القيادة الراشدة لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

ما أحوجنا في هذا العصر إلى تربية تهتم بكل القيم المحلية والكونية من أجل تقريب الثقافات والحضارات وحوار الأديان، تربية تقي من هذه الأزمة الحضارية التي تعاني منها الإنسانية، وتكون قادرة على تحقيق الأمن الروحي والتوازن النفسي والتكامل العقلي والقلبي والتوافق المادي والروحي للإنسان بعيدا عن كل صدام حضاري أو ما نظر له صامويل هنتنغتون ب « صراع الحضارات » في تساوق بين خصائص التجربة الصوفية المغربية، والمبادئ الكونية ذات العمق الإنساني، لأن الإسلام بقيمه وروحه يساهم في نشر السلم والسلام والأمن والأمان بما يكتسبه من قيم الرحمة والمحبة واحترام الآخر بعيدا عن كل تطرف وعنف. قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة آية: (32 (].

في ضوء ما تمّ طرحه عن التصوف وما يحمله من قيم إنسانية كونية، وارتباطا بهذا الأفق المتسع بين ما هو محلي وكلّي، ومراعاة للسياق المعاصر وتحولاته وركائزه المادية، وغير ذلك، نقدّم هذا موضوع هذه الدورة السادسة عشرة للمطارحة والتحليل على السادة الأساتذة والباحثين لتقديم مقارباتهم لأسئلته، وإجاباتهم ورؤاهم وتصوراتهم البناءة، كلّ في مجاله ومن زاوية تخصصه. ونقترح الإسهام في أحد المحاور المفصلة التالية:

: محاور الملتقى المفصلة

  1. مكارم الأخلاق في الكتاب والسنة
  2. المضامين الأخلاقية للتصوف: تجلياتها ومراتبها
  3. التصوف وأزمة القيم
  4. المقاصد التربوية في الخطاب الصوفي
  5. التصوف وقيم الجمال
  6. البناء الروحي للإنسان ونهضة الأوطان
  7. التصوف وقيم المواطنة
  8. القيم وإصلاح المجتمع 
  9. المقاصد الأخلاقية للقيم الروحية
  10. دور القيم الأخلاقية في التنمية المستدامة
  11. البعد الأخلاقي والمساهمة في بناء مجتمع عالمي أفضل
  12. مفهوم القيم في المجتمعات الغربية وفي المواثيق الدولية
  13. القيم الروحية والأخلاقية والتربية عليها عند الصوفية
  14. القيم الأخلاقية والفن والإبداع والثقافة
  15. الخطاب الصوفي، نحو نموذج للتعارف الحضاري.
  16. القيم والمشترك الإنساني.
  17. التصوف والبعد الإيكولوجي.
  18. القيم وتقريب الحضارات.
  19. دور القيم الأخلاقية في حوار الأديان.  
  20. القيم المحلية ودورها في تعزيز القيم الإنسانية.

share

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *